أبو الليث السمرقندي

548

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ترضى به . واتّبع سبيل المطيعين . وقال بعض الحكماء : من هاهنا ترك قومه عبادة اللّه وعبدوا العجل ، لأنه سلمهم إلى هارون ولم يسلمهم إلى ربهم . ولهذا لم يستخلف النبي بعده . وسلم أمر أمته إلى اللّه تعالى . فاختار اللّه لأمته أفضل الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو أبو بكر الصديق - رضي اللّه تعالى عنه - فأصلح بينهم . قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا يعني : لميعادنا لتمام أربعين يوما . ويقال : لميقاتنا أي للوقت الذي وقّتنا له . وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فسمع موسى كلام اللّه تعالى بغير وحي ، فاشتاق إلى رؤيته قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ انظر صار جزما لأنه جواب الأمر قالَ له ربه : لَنْ تَرانِي يعني : إنك لن تراني في الدنيا وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ يعني : انظر إلى أعظم جبل بمدين فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي يعني : سوف تقدر أن تراني إن استقر الجبل مكانه . معناه : كما أن الجبل لا يستقر لرؤيتي فإنك لن تطيق رؤيتي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قال الضحاك : ألقى عليه من نوره فاضطرب الجبل من هيبته يعني : من رهبة اللّه تعالى . وقال القتبي : تجلى ربه للجبل أي ظهر وأظهر من أمره ما شاء . يقال : جلوت المرأة والسيف إذا أبرزته من الصدأ وكشف عنه . وجلوت العروس إذا أبرزتها . فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي : جبل زبير جَعَلَهُ دَكًّا قرأ حمزة والكسائي جعله دكاء بالهمز يعني : جعله أرضا دكاء . وقرأ الباقون دكّا بالتنوين يعني : دكّه دكّا . قال بعضهم : صار الجبل قطعا ، فصار على ثمان قطع . فوقع ثلاث بمكة وثلاث بالمدينة واثنان بالشام . ويقال : صار ستة فرق . ويقال : صار أربع فرق . ويقال : صار كله رملا عالجا أي لينا . وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : جعله دكا أي ترابا ، وقال القتبي : جعله دكّا أي ألصقه بالأرض . ويقال : ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام أي ترابا . وروي عن وهب بن منبه أنه قال : لما سأل موسى النظر إلى ربه أمر اللّه الضباب والصواعق والظلمات والرعد والبرق فهبطن حتى أحطن بالجبل ، وأمر اللّه تعالى ملائكة السماوات فهبطوا ، وارتعدت فرائص موسى وتغير لونه . فقال له جبريل : اصبر لما سألت ربك ، فإنما رأيت قليلا من كثير فلما غشي الجبل النور ، خمد كل شيء ، وانقطعت أصوات الملائكة وانهار الجبل من خشية اللّه تعالى . حتى صار دكا . قوله تعالى : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال مقاتل : يعني ميتا . كقوله عز وجل : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ يعني : مات . ويقال : وخر موسى صعقا أي مغشيا عليه فَلَمَّا أَفاقَ من غشيانه قال مقاتل : رد اللّه حياته إليه قالَ سُبْحانَكَ أي تنزيها لك تُبْتُ إِلَيْكَ من قولي وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ . روى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال : قد كان قبله من المؤمنين . ولكن يقول أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . وقال مقاتل : أول